من قاع العوز
في الخامسة والعشرين من عمري، لم أكن أملك من الدنيا سوى ديون تلاحقني، ومحفظة خاوية، وشاحنة نقل قديمة متهالكة أستتر بداخلها هرباً من قسوة الصقيع، متوسداً مقعدها الخلفي في زاوية منزوية خلف أحد المتاجر الكبرى بمدينة نصر. كان الفقر يطوقني من كل جانب، ولم يكن أمامي سوى خيارين: إما الاستسلام للضياع، أو البحث عن طوق نجاة بأي ثمن.
وفي تلك الأيام العجاف، تقاطعت طرقي مع "نعمات هانم"؛ سيدة وقورة في الحادية والسبعين من عمرها، أرملة يلفها الهدوء والسكينة، وتعيش وحيدة في فيلا عتيقة تفوح بعبق الرقي الأرستقراطي في حي مصر الجديدة.
زواج المصالح والعداد التنازلي
لم يكن في قلبي متسع للحب، بل كنت أراها مجرد "صفقة نجاة". تزوجتها وأنا أضمر في نفسي خطة محكمة: سأتحمل العيش معها بضع سنوات، أرتدي خلالها قناع الزوج المخلص والمهذب، وامتص غضب الأيام، حتى إذا ما وافتها المنية، تؤول إليّ هذه الثروة والمنزل الفاخر، لأبدأ حياتي الحقيقية التي لطالما حلمت بها.
كانت نعمات تعاملني بنبل يفوق استحقاقي بكثير. كانت تستيقظ في الصباح الباكر لتهبني دفء الفطور قبل انطلاقي إلى عملي. وحين لاحظت ذات يوم أن حذائي قد تمزق من جانبه، لم تنطق بكلمة، بل فاجأتني بحذاء جديد. وفي ذروة الشتاء القرطبي، وجدت معطفاً ثقيلاً يتدلى عند المدخل، فقالت لي بابتسامتها الهادئة: «هذا المعطف الخفيف لن يحميك من البرد الذي سيكسر عظامك يا كريم».
أما أنا، فقد أعمى الجشع بصيرتي. لم أكن أرى فيها زوجة أو إنساناً، بل كنت أنظر إليها كعداد تنازلي يوشك على النفاذ. كل زجاجة دواء تستقر على طاولتها، وكل زيارة لطبيبها الخاص، كانت بمثابة بشرى تقربني من لحظة الاستحواذ على كل شيء. كنت أظن نفسي عبقرياً واقعياً، ولم أكن أدري أنني كنت غارقاً في دناءة نفسي.
رحيل مباغت ومواجهة الحقيقة
لكن الموت لا ينتظر انتهاء الخطط. في صباح أحد الأيام، وبينما كنت أفتح باب الثلاجة، دوى صوت ارتطام جسدها بالأرض في المطبخ. هرعت إليها مذعوراً، كانت عيناها شاخصتين، وأنفاسها الأخيرة تتلاحق في نزع طويل. غادرت نعمات الحياة بعد ثلاثة أيام في المستشفى.
في مراسم العزاء، كانت نظرات عائلتها تلاحقني كأني حشرة ضارة أو لص محترف. همساتهم كانت تحاصرني: «محتال»، «تزوجها طمعاً في الإرث»، «نال مراده أخيراً». والمفارقة الساخرة أنني كنت أبتسم بداخلين، ظناً مني أنني الرابح الأخير في هذه اللعبة.
الصدمة داخل مكتب المحامي
جلسنا في مكتب المحامي حيث تفوح رائحة الأوراق القديمة ممتزجة برائحة القهوة الباردة. عدّل المحامي نظارته الرفيعة على أرنبة أنفه، وفتح الوصية بصوت خالٍ من المشاعر.
هنا، سقطت الأقنعة وتلاشت الأوهام؛ فالفيلا آلت إلى ابنة أختها، ومعظم الأموال جرى التبرع بها لجمعيات خيرية ومستشفى لعلاج سرطان الأطفال. أما أنا... فلم يخصص لي جنيه واحد!
شعرت بريح باردة تعصف بأحشائي، وقلت بذهول تام: «ماذا؟ كيف هذا؟». لم يكترث المحامي لفضحي، بل مد يده بهدوء تحت مكتبه، وأخرج صندوق أحذية قديم، وضعه أمامي قائلاً: «لقد تركت لك الحاجة نعمات هذا الصندوق، وقالت: هذا هو الشيء الوحيد الذي يحتاجه فعلاً».
ما لم يكن في الحسبان
بأصابع مرتعشة رفعت غطاء الصندوق، فتجمد الدم في عروقي وسادت برودة الموت في جسدي. لم تكن هناك أموال، بل كانت هناك صور!
عشرات الصور لي... في أدق تفاصيل بؤسي القديم. صور وأنا غارق في النوم داخل شاحنتي، وأخرى وأنا ألتقط لقيمات من عربة فول في زقاق مظلم، وصور توثق وقوفي مكسوراً أمام بوابة البنك يوم حُجز على حسابي، بل وحتى تلك اللحظة التي بكيت فيها بحرقة داخل سيارتي بعد أن طردتني شركة المقاولات.
كل لحظة انكسار وظننت أنني فيها وحيد تحت نظر السماء، كانت نعمات هناك... ترقبني، وتعرف عمق جرحي وفاقتاي. وتحت تلك الصور، وجد رسالة بيضاء مكتوبة بخط يدها المرتعش، جاء فيها:
"يا كريم... أنا لم أكن عمياء، بل كنت أعلم منذ اليوم الأول أنك تزوجتني طمعاً في جدران تحميك، وأموال تنتشلك من قاع انكسارك. لقد رأيت عوزك قبل أن أرى طمعك، واشتركت في هذه اللعبة بكامل إرادتي، لأنني أردت أن أمنحك الدفء والأمان الذي حرمتك منه الأيام، حتى لو كان الثمن أن تمثل عليّ دور الزوج. لم أترك لك الفيلا لأن الأموال قد تفسد ما بقي من إنسانيتك، لكني تركت لك هذه الصور لتعلم أنك لم تكن وحيداً يوماً، وأن هناك من أحب انكسارك قبل قوتك. اذهب الآن يا بني، وابدأ حياتك بمال حلال تصنعه بيدك، فقد نلت من الأمان ما يكفيك لتنهض مجدداً."
سقطت الورقة من يدي، وبكيت لأول مرة بحرقة، ليس ندمًا على مال فقدته، بل على إنسانة عظيمة عشت معها كاللص، بينما كانت هي تحيطني كالأم.
