تصل النفس البشرية أحياناً إلى مرحلة من الإنهاك يفقد معها العقل قدرته على التمييز، حيث يصبح البحث عن الراحة هو المحرك الوحيد للجسد المتداعي. في تلك اللحظات الفاصلة بين الوعي واللاوعي، قد تقود الخطوات المتعثرة أصحابها إلى مسارات لم تكن يوماً في الحسبان، لتبدأ حكاية جديدة تولد من رحم التعب الشديد والصدف الغريبة التي تعيد ترتيب المقادير وهندسة العلاقات الإنسانية.
الجزء الأول: واحد وثلاثون عاماً من الكفاح المتواصل
وطأة العمل في رداء الطب البسيط
خرجت الطبيبة الشابة ريم عبد السلام من الباب الجانبي لمستشفى السلام الدولي، بعد أن أمضت مناوبة عمل طاحنة استمرت واحداً وثلاثين ساعة كاملة دون انقطاع. لم تكن بحاجة إلى النظر في شاشة هاتفها المحمول التي تحطمت شروخاً منذ الساعة التاسعة عشرة من المناوبة، فقد كان جسدها العليل يحصي الدقائق والساعات بدقة مرعبة؛ فقرات ظهرها لا تزال تذكر الجهد المبذول في دفع الأسرة الطبية إثر تعطل المصاعد، وقدميها تحملان أوجاع الطرّاقات الطويلة، بينما تعاني عيناها من أثر الإضاءة البيضاء الحادة التي زنت في أرجاء المشفى طوال الليل.
هروب نحو العتمة والدفء
داعب الهواء البارد ليل القاهرة الجسد المنهك، فشدت ريم معطفها حول جسدها وتحركت بخطوات آلية نحو صف من السيارات السوداء المتوقفة أمام المشفى. لم تكن من اللواتي يدققن في أرقام اللوحات المعدنية، خاصة بعد عام كامل من المناوبات المضنية التي تنتهي مع تباشير الفجر؛ إذ صار جل همها العثور على أي بقعة هادئة تمنحها فرصة النجاة قبل السقوط التام. فتحت باب السيارة الأقرب، فاستقبلتها مقاعد خلفية وارفة بالدفء والسكينة، تفوح منها رائحة الجلد الفاخر والعطور الثمينة، وما إن ألقت بحقيبتها أرضاً واستلقت على المقعد، حتى غطت في نوم عميق يشبه الإغماء من فرط الإجهاد، دون أن تدرك هوية المكان أو الوجهة.
الجزء الثاني: سكون القيادة ولغة السيطرة الشامتة
لقاء خلف الزجاج المظلل
لم تكن تلك السيارة ملكاً لريم، بل كانت المركبة الخاصة برجل الأعمال البارز سليم الحديدي، الملياردير المعروف ببروده الشديد وغموضه في أوساط المال والأعمال. كان سليم يقبع في المقعد الخلفي، غارقاً في مكالمة عمل عاصفة أفقدته هدوءه، واللوح الرقمي يربض فوق ركبتيه، حين انفتح الباب فجأة لتتسلل تلك الفتاة برداء العمل الطبي وتستلقي في سيارته بكامل ثقلها الاستسلامي. التزم الرجل الصمت؛ وهو الذي أتقن لغة الصمت في اجتماعاته ليربك الخصوم ويدفعهم نحو الخطأ، وأخذ يحلل الموقف بروية وهدوء معتادين.
حسابات عقلانية تحت مجهر التأمل
كان الخيار المنطقي الأول يقتضي إيقافها، وإعلامها بالخطأ، أو الإيعاز للسائق بإنزالها، غير أن منظرها وهي غارقة في النوم حال دون ذلك. كانت وجنتها ملتصقة بالزجاج، وسماعتها الطبية تتدلى من كتفها، وثمة أثر لحبر أزرق على يدها يشي بملحوظة دونتها على عجل، بينما تملص شعرها من قيده ليبدو حقيقياً وعفوياً دون تصنع. بدت لعينيه كشخص يحمل أثقال العالم فوق كاهله وقد سقط أخيراً طالباً الهدنة. أغلق سليم هاتف وحاسوبه، وتبادل نظرة قصيرة عبر المرآة الأمامية مع سائقه المخضرم مصطفى، الذي أمضى معه عقدين من الزمن وشهد الكثير، لكن هذا الموقف كان غريباً ومستحدثاً.
الجزء الثالث: تبدد الخطط المسبقة وانقشاع الستار
مشاهدة صامتة في ليل القاهرة
أشار سليم لسائقه بمواصلة السير، مبرراً الأمر في نفسه بدافع الإنسانية البحتة؛ فالطبيبة ميتة من التعب، وإيقاظها الفج سيكون قاطعا وقاسياً، لذا آثر تركها تنام لبرهة قبل تنبيهها بهدوء. كان قراراً مرتباً يقع تحت طائلة السيطرة التي يعشقها، غير أن الدقائق تنساب وتتوالى دون أن يمد يده لإيقاظها. تبدلت نظراته المعتادة التي تبحث في عيون الناس عن المصالح ونقاط الضعف، لتتحول إلى نظرة هادئة تراقب أنفاسها المنتظمة، وحركة أصابعها الصغيرة، وملامح الإرهاق المرتسمة على وجهها بصدق شديد.
لحظة اليقظة والتحول المفاجئ
شعر الملياردير الصارم بشيء يتحرك في داخله؛ ليس إعجاباً بالمعنى المفهوم، بل رغبة في فهم هذا النوع من الإنهاك الذي يعرفه جيداً ويعز عليه الاعتراف به. بدأت قطرات المطر الخفيف تنهمر على شوارع العاصمة، لتنعكس الأضواء الصفراء لأعمدة الإنارة على زجاج النافذة محاذية لوجهها النائم. تململت ريم في رقدتها، وهمست بكلمات مبهمة غير واضحة، فأشاح بنظره عنها لثانية قبل أن يعود ليتأملها من جديد، واصفاً ما يحدث في داخله بالعبث المحض. وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كانت تساؤلاته تدور في فلك السيطرة والصدفة، فتحت الطبيبة عينيها لتلتقي النظرات وتبدأ فصول مواجهة لم يحسب لها أي منهما حساباً.
عوالم تلتقي خلف نوافذ الصدفة
تثبت هذه الواقعة أن الجدران العازلة والطبقات الاجتماعية المتباعدة قد تنهار أمام مشهد إنساني بسيط يختصر التعب البشري المشترك. فالرجل الذي أدار كبريات الشركات بالصمت والبرود، وجد نفسه متأملاً في تضحية طبيبة شابة تركت راحتها خلف أبواب المشفى، ليكون هذا اللقاء العابر بداية لانقشاع حجب الغموض وصياغة فصول جديدة تقرأ ما بين سطور الإنهاك وعوالم السيطرة.
